الخطيب الشربيني
558
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
أبو العالية عن أبيّ بن كعب قال : ست آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم ؛ إذ ذهب ضوء الشمس ، فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم ، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على الأرض فتحرّكت واضطربت وفزعت الجنّ إلى الإنس والإنس إلى الجنّ ، واختلطت الدواب والطير والوحش ، وماج بعضهم في بعض فذلك قوله تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي : اختلطت وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قال الجنّ للإنس : نحن نأتيكم بالخبر ، فانطلقوا إلى البحر ، فإذا هو نار تتأجج . قال : فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة السفلى ، وإلى السماء السابعة العليا ، فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم . وعن ابن عباس قال : هي اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة ، وهي ما ذكر من بعد . وَإِذَا النُّفُوسُ أي : من كل ذي نفس من الناس وغيرهم زُوِّجَتْ أي : قرنت بأجسادها ، وروي أنّ عمر سئل عن هذه الآية ، فقال : يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة ، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار . وقال الحسن وقتادة : ألحق كل امرئ بشيعته ، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى . وقال عطاء : زوّجت نفوس المؤمنين بالحور العين ، وقرنت نفوس الشياطين بالكافرين . وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ أي : الجارية المدفونة حية . كان الرجل في الجاهلية إذ ولد له بنت ، فأراد أن يستحييها ألبسها جبة من صوف أو شعر ترعى له الإبل والغنم في البادية ، وإن أراد قتلها تركها حتى إذا كانت سداسية فيقول لأمّها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها إلى أحمائها ، وقد حفر لها بئرا في الصحراء فيذهب بها إلى البئر ، فيقول لها : انظري فيها ثم يدفعها من خلفها ويهيل عليها التراب حتى تستوي بالأرض . وقال ابن عباس : كانت الحامل إذا قربت ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة ، فإذا ولدت بنتا رمت بها في الحفرة ، وإذا ولدت ولدا حبسته . وكانوا يفعلون ذلك لخوف لحوق العار بهم من أجلهنّ ، أو الخوف من الإملاق ، كما قال تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [ الأنعام : 151 ] وكانوا يقولون : إنّ الملائكة بنات الله فألحقوا البنات به فهو أحق بهنّ ، وكان صعصعة بن ناجية ممن منع الوأد وفيه افتخر الفرزدق في قوله « 1 » : ومنا الذي منع الوائدات * وأحيا الوئيد فلم توأد سُئِلَتْ بِأَيِّ أي : بسبب أيّ ذَنْبٍ يا أيها الجاهلون قُتِلَتْ أي : استحقت به عندكم القتل ، وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حدّ التكليف . فإن قيل : ما معنى سؤالها عن ذنبها الذي قتلت به ، وهلا سئل الوائد عن موجب قتله لها ؟ أجيب : بأن سؤالها وجوابها تبكيت لقاتلها نحو التبكيت في قوله تعالى لعيسى عليه السلام : أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ [ المائدة : 116 ] . وروي أنّ قيس بن عاصم « جاء إلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، إني وأدت ثمان بنات كنّ لي في الجاهلية . فقال صلى اللّه عليه وسلم : أعتق عن كل واحدة منهنّ رقبة . قال : يا رسول الله ، إني صاحب إبل ؟
--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان الفرزدق 1 / 154 .